من المصري اليوم

اشترك لتصلك أهم الأخبار

(الإعلام المحبط حط على الإعلام المنبط).. هكذا كتب على صفحته الشاعر والإذاعى الكبير عمر بطيشة، محللا المشهد الإعلامى الحالى.

بطيشة رجل إذاعى منضبط يزن الكلمات بمقياس من ذهب قبل أن يعلنها، عاصر بطيشة آخر زمن عبدالناصر مرورا بالسادات وحتى مبارك، ووصل إلى أعلى منصب يحلم به كل من وقف خلف الميكروفون، وهو كرسى رئيس الإذاعة، ومن المؤكد أنه بالدرجة الأولى منصب سياسى، أى أنه يعلم أن كل شىء يظل محسوبا عليه، حتى بعد أن تحرر من قيود الوظيفة، عاش بطيشة جزءاً كبيرا من مشواره تحت رئاسة رجل المخابرات، وزير الإعلام الأسبق، صفوت الشريف، مدركا متى وكيف يقول، وما الذى لا يجوز تداوله، كانت هناك قائمة سوداء بالممنوعات والممنوعين، وهى قطعا يتم تبادلها شفاهة ولا أحد يجرؤ على إعلانها، وكل من يعمل فى دائرة الإعلام يعرف ذلك، شملت القائمة فى توقيت قريب مثلا مطربة مثل أنغام لأنها امتنعت عن الذهاب لحفل أضواء المدينة الذى أقامته الإذاعة المصرية، وبعد بضعة أشهر سقط قرار الحظر، وهو ما عوقبت به شيرين، وأظنها لا تزال، سبق أن منعوا المطربة وردة وصادروا أغانيها من كل القنوات التليفزيونية والإذاعية، وذلك بعد واقعة مباراة مصر والجزائر فى (أم درمان)، استندوا إلى أن جذورها الجزائرية تكفى للمنع، مثل هذه القرارات الانفعالية تسقط مع الزمن، بالطبع كانت هناك أسماء لرجال سياسة فى قائمة المعارضة مثل محمد حسنين هيكل وخالد محيى الدين وأحمد فؤاد نجم وغيرهم لا يسمح بأن يستمع الناس لأصواتهم أو يروا وجوههم، ورغم ذلك مع كل شهر رمضان، يقدم لنا عمر بطيشة برنامجا سريع الإيقاع والطلقات ونستمع إلى هذه الشخصيات وغيرها، أتحدث عن مرحلة التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة، حيث كان يسمح لهم بالحديث بكل حرية لتصل الرسالة، لا توجد قائمة سوداء لشخصيات ولا موضوعات ممنوعة، وكل شىء مباح.

لا يستطيع أحد الادعاء بأن الإعلام الرسمى كان يتمتع بحريته مثلا فى انتقاد الحكومة، ورغم ذلك كانت لدينا قواعد ومنطق يحكم المنظومة برمتها، الآن لا نرى سوى أن التخبط صار النغمة السائدة، هل هم يبحثون عن الولاء المطلق؟ حتى هذا من الواضح لم يعد كافيا؟ زاد عدد القيود التى تراكمت فى الأشهر الأخيرة، وبلا أى سبب مباشر، سوى أن هناك حالة من التخوف غير واضحة الأسباب أسفرت عن عشوائية أنجبت المزاجية، فى الماضى كان من الممكن أن ندرك سبب الاستبعاد أو التعتيم، الآن صارت الأمور ضبابية، وهذا ما يؤكد أن المزاج الشخصى هو صاحب الكلمة العليا.

قوة مصر فى جزء منها شاهدناها وإعلامها كان متصدرا المشهد العربى، كان أحمد سعيد الإذاعى الكبير يُشكل منذ منتصف الخمسينيات وحتى جاءت هزيمة 67 واحدا من أهم أسلحة مصر، صوته كان يقيم ثورات فى العالم العربى، والشعوب تهتف باسمه مع عبدالناصر. لم تكن مصر هى أول دولة عربية تعرف البث التليفزيونى، ورغم ذلك كان التليفزيون هو العنوان العربى الأثير، ومع بزوغ عصر الفضائيات اتسع هامش الحرية، وواكبت بنسبة معقولة الفضائيات المصرية هذا الإيقاع المغاير.

أين نحن الآن؟ الكل يستشعر أن هناك قدرا من البرودة واللامصداقية يعيشها الإعلام، والحل يكمن فقط فى منح الإعلام قدرا من أكسجين الحرية.

كل من يحب هذا الوطن يجب أن يرفع عنه الاستبعاد، وكل القضايا تُناقش، بعد أن وصلنا لمرحلة الإعلام المنبط لن تجد أمامنا سوى (بط يزغط بط)!.

نبذة عن الكاتب

arkiosk

اترك تعليقا